ابن أبي الحديد
35
شرح نهج البلاغة
من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي ، سلام الله عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت به محمدا رسول الله من الفضل ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه ، وصغيره وكبيره ، وقد والله بلغ وأدى ، ونصح وهدى ، حتى أنقذ الله به من الهلكة ، وأنار به من العمى ، وهدى به من الجهالة والضلالة ، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته ، وصلوات الله عليه يوم ولد ، ويوم بعث ، ويوم قبض ، ويوم يبعث حيا ! وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وتنازع المسلمين الامر بعده ، وتغلبهم على أبيك ، فصرحت بتهمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وأبى عبيدة الأمين وحواري ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وآله ، وصلحاء المهاجرين والأنصار ، فكرهت ذلك لك ، انك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين ( 2 ) ولا المسئ ، ولا اللئيم ، وأنا أحب لك القول السديد ، والذكر الجميل . إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ، ولا قرابتكم من نبيكم ، ولا مكانكم في الاسلام وأهله ، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الامر لقريش لمكانها من نبيها ، ورأي صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الامر من قريش أقدمها إسلاما ، وأعلمها بالله ، وأحبها له ، وأقواها على أمر الله ، فاختاروا أبا بكر ، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل ، والناظرين للأمة ، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة ، ولم يكونوا متهمين ، ولا فيما أتوا بالمخطئين ، ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه ، ويقوم مقامه ، ويذب عن حريم الاسلام ذبه
--> ( 1 ) هو الزبير بن العوام . ( 2 ) ب : " ظنين " .